فخر الدين الرازي
6
تفسير الرازي
صادقاً مصدقاً من عند الله ، ويزيل التعجب ، وهو من قوله : * ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ) * ( الجمعة : 2 ) وقال : * ( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ) * ( العنكبوت : 48 ) الخامس : أن مثل هذا التعجب كان موجوداً عند بعثة كل رسول ، كما في قوله : * ( وإلى عاد أخاهم هوداً ) * ( لأعراف : 65 ) * ( وإلى ثمود أخاهم صالحاً ) * ( الأعراف : 73 ) إلى قوله : * ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) * ( الأعراف : 63 ) السادس : أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولاً من البشر ، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك ، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة . أما الأول : فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها . وإذا ثبت هذا فنقول : الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل والفهم به أقوى ، كما قال تعالى : * ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ) * ( الأنعام : 9 ) وقال : * ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ) * ( الإسراء : 95 ) . وأما الثاني : فبعيد لأن محمداً عليه الصلاة والسلام كان موصوفاً بصفات الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيماً فقيراً ، وهذا في غاية البعد ، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سبباً لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغنى سبباً لكمال الحال عنده . كما قال تعالى : * ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) * ( سبأ : 37 ) فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمداً بالوحي والرسالة كلام فاسد . المسألة الثانية : الهمزة في قوله : * ( أكان ) * لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و * ( أن أوحينا ) * اسم كان وعجباً خبره ، وقرأ ابن عباس * ( عجب ) * فجعله اسماً وهو نكرة و * ( أن أوحينا ) * خبره وهو معرفة كقوله : يكون مزاجها عسل وماء . والأجود أن تكون " كان " تامة ، وأن أوحينا ، بدلاً من عجب . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : * ( أكان للناس عجباً ) * ولم يقل أكان عند الناس عجباً ، والفرق أن قوله : * ( أكان للناس عجباً ) * معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليه ! وليس في قوله : " أكان عند الناس عجباً " هذا المعنى . المسألة الرابعة : * ( أن ) * مع الفعل في قولنا : * ( أن أوحينا ) * في تقدير المصدر وهو اسم كان وخبره ، هو قوله : * ( عجباً ) * وإنما تقدم الخبر على المبتدأ ههنا لأنهم يقدمون الأهم ، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم ، وأما * ( أن ) * في قوله : * ( أن أنذر الناس ) * فمفسرة لأن الإيحاء فيه معني القول ،